أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
263
عجائب المقدور في نوائب تيمور
آخرين ، ليعمروها ، فاستمروا سائرين ، حتى وصلوا إلى ترمذ ، فجمعوا في الحال احتياجاتهم من الأحجار والأخشاب والقرمد ، ثم تقاسمت تلك الرؤوس أبدانها ، وعلوا عن أن يتسوروا قلة أسوارها وحيطانها ، وجعلوا يعملون ولا يلبثون ، ويبنون بكل ريع منها آية يعبثون « 1 » ، وتركوا بالنهار أكلا وبالليل نوما ، فأتموا بنيانها في نحو من خمسة عشر يوما . وحين ميزوا محلاتها ، وفرزوا دروبها وطرقاتها ، ورفعوا أعلام مساجدها ومناراتها ، وبنوا مواضع أسواقها وأبياتها ، أمروا الباقين ، من ذرية النازحين عنها من أهلها ، وكل من رحل من خراب وعرها إلى عمران سهلها ، أن يرجعوا إليها ، ويخيموا عليها . وكان أولئك المساكين ، قد استوطنوا منها البساتين ، وبنوا فيها أسواقهم وبيوتهم ، وجمعوا فيها أسباب معائشهم وقوتهم ، واستمروا على ذلك من وقت جنكيز خان ، إلى وقت تيمور كوركان ، فكانوا في وطنهم آمنين ، وعن حركات الانزعاج والتقلقل ساكنين ، فلما مات تيمور ، وحدثت شرور وأمور ، أراد خليل سلطان أن يصونهم ، فأرسل من شيد حصونهم . وكانت الجديدة عن العتيقة نحوا من فرسخ ، فصارت العتيقة أحصن من الجديدة وأرسخ ، لا سيما وقد علّى البانون منارها ، ونهر جيحون يصافح أقدام طود جبل أسوارها ، بخلاف الجديدة ، فإن قصور مساكنها غير مشيدة ، وهي عن النهر بعيدة . فلما نادوا الناس أن ادخلوا إلى دار قراركم ، فكأنهم كتبوا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ « 2 » فلم يثقل الله داد عليهم ، ولا اكترث في ذلك ولا التفت إليهم ، ولم يظهر في ذلك عنادا ، ولكنه حشر فنادى ، أن كل من سبقت يده من أهل البلد ، إلى شيء من هذه
--> ( 1 ) - انظر سورة الشعراء - الآية : 128 . ( 2 ) - سورة النساء - الآية : 66 .